
الزليج هو الفن المغربي التقليدي القائم على بناء أسطح هندسية معقّدة من قطع صغيرة من الطين المحروق المطلي بالمينا، تُقطع واحدةً واحدةً باليد. إن كنت قد وقفت يوماً أمام نافورة في فاس، أو عبرت فناء رياض، أو لمست جدار مدرسة عتيقة، فقد التقيت به. إنه ينتمي إلى المغرب كما تنتمي أشياء قليلة.
جذور قديمة ومجد مريني
نشأ هذا الفن في المغرب نحو القرن العاشر، منبثقاً من التقليد الأوسع للزخرفة الإسلامية بالبلاط، لكنه طوّر طابعاً خاصاً به وحده. كانت الأعمال الأولى بسيطة وأحادية اللون غالباً. وتحت الدولة المرينية، في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، أزهر الزليج فناً معمارياً حقيقياً، غنياً بالنجوم والمضلّعات والأرابيسك والحواشي المتشابكة.
ومن السعديين إلى العلويين وحتى يومنا هذا، لم يفقد الزليج مكانته قط. فهو ما زال يكسو جدران القصور ونوافير الرياضات وقاعات الصلاة في المساجد. وصارت مدن كفاس ومكناس ومراكش مراكز لهذه الحرفة، تُنقل المهارة فيها عبر طوائف حرفية متماسكة.
كيف تُصنع اللوحة فعلاً
العملية بطيئة، وهذا جوهرها. تبدأ بالطين الطبيعي، وطين فاس هو الأكثر طلباً، إذ يُعجن ويُشكّل بلاطاً ويُجفّف في الشمس ويُحرق في أفران الحطب. ثم يُطلى البلاط المحروق، المسمى بسكويت، باليد بأصباغ معدنية ويُحرق مرة ثانية لتثبيت سطح لامع ومتين.
عندها فقط يبدأ القطع. يَنحت المعلّم كل بلاطة في الشكل الصغير الدقيق الذي يتطلبه النمط، عاملاً من ذاكرته في الغالب. ثم تُرتّب القطع ووجهها إلى الأسفل، مقلوبةً، بحيث لا يرى المعلّم النمط وهو يتشكّل. يُصبّ الجص فوق الظهر، ولا ينكشف الرسم إلا حين يجفّ ويُقلب اللوح. إنه، كما يصفه الحرفيون، فعل إيمان أعمى، التعبير البصري عن اللانهاية.
المعلّم
في قلب هذا كله يقف المعلّم. واللقب لا يُمنح باستخفاف؛ بل يُكتسب على مدى عقود. وتاريخياً كان المعلّم يتمتع بمكانة قريبة من النبالة، وكان الزليج نفسه فيما مضى حكراً على الملوك والأقوياء، رمزاً للرقي والثراء.
يحمل المعلّم الأنماط في ذاكرته: النِّسب والتسلسلات والاختصارات. وهنا أيضاً يكمن هشاش هذا الفن: فحين يعتزل معلّم دون تلميذ، قد تختفي المعرفة الخاصة التي كان يحملها، لأنها لم تُدوَّن قط.
تراث محمي
اليوم ثمة جهد متجدد لحماية الزليج. فعشرات من مدارس الصناعة التقليدية عبر المغرب تُعلّمه الآن رسمياً، وصار "زليج فاس" مؤشراً جغرافياً معترفاً به، حماية قانونية شبيهة بتلك التي تصون النبيذ والأجبان ذات المنشأ. ويستقطب هذا الفن اهتماماً جديداً من المصممين والرياضيين ومؤرخي الفن حول العالم.
أن تمتلك قطعة من الزليج المقطوع باليد يعني أن تحمل بين يديك ألف عام من الرياضيات والصبر والنار، صنعها معلّم، قطعةً صغيرةً تلو الأخرى.